فصل: مسألة الركوع بعد صلاة الجمعة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة ما يستحب من مكارم الأخلاق:

في ما يستحب من مكارم الأخلاق قال مالك: لقد أَدركت بعض من مضى، وإِنَّه لتكون تحته المرأة ما له بها حاجة، يمنعه الحياء والتكرم أَن يطلقها ويطلع أحد منهما على مثل ما اطلع عليه. وفي حديث ابن عمر قال: «إنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَبِرَ ذَهَبَ حُسامُهُ، كَمَا يَذْهَبُ حُسَامُ السَّيْفِ». قال مالك: الحسام الغيرة. قال: وهو في السيف حده. وكان رجل يسائله عن بيت بعض أَهله، قال: قال مالك: أراها صفية. قال: هذا منزلُها.
قال محمد بن رشد: معنى هذا أن ابن عمر لما أرى الرجل منزل زوجته صفية. قال هذا القول، كأَنه يقول: لو كنت في غير هذا السِّن لكرهت سؤالك. وبالله التوفيق.

.مسألة فضل عُمر بن حُسين وعبادته:

في فضل عُمر بن حُسين وعبادته قال مالك: كان عمر بن حسين من أَهل الفضل والعلم، وكان عابداً، ولقد أَخبرني رجل أَنَّه كان يسمعه في رمضان يبتدئ القرآن في كل يوم إِذا راح فقيل له: أكان يختم؟ قال: نعم في رأيي في يومه وليلته. وكان في رمضان إذا صلَّى العشاء انصرف فإذا كان في ليلة ثلاث وعشرين قائماً مع الناس، لم يكن يقم معهم غيرها، فقيل له: فالرجل المحصي يختم القرآن كل ليلة، قال: ما أَجود ذلك إن القرآن إمامٌ لكل خير.
قال الإمام القاضي: استحبَّ مالك في هذه الرواية قراءة القرآن كله في كل يوم وليلة، ولمن قدر على ذلك، على ما روي عن عمر بن حسين وقال: ما أَجود ذلك، إن القرآن إمامٌ لكل خير وقد ذكر في موطئه عن يحيى بن سعيد أَنَّه قال: كنت أنا ومحمد بن يحيى بن حبان جالسين فدعا محمد رجلًا قال: أخبرني بالذي سمعت من أَبيك فقال: أَخبرني أَبي أَنَه أتى زيد بن ثابت، فقال: كيف ترى في قراءة في سبع؟ فقال: حسن، ولأن أقرأه في نصف شهر أَو عشرين، أحب إليَّ، وسألني لم ذلك؟ قّال: فإني أسلك، قال زيد: لكي أتدبره وأقف عليه وإنَّما رأى زيد بن ثابت قراءة القرآن في شهر أَو عشرين يوماً أحب لله من قراءته في سبع. وإن كان للقراء بكل حرف من القرآن عشر حسنات بالألف من الحمد عشر حسنات وباللام عشر حسنات، وبالحاء عشر حسنات، لأن الحسنة قد تضاعف إلى سبعمائة فرجا أَن تكون حسناته إِذا قرأ القرآن في شهر أَكثر من حسناته إذا قرأه في سبع، لتضعيف الحسنات له في قراءته من أَجل تدبره. وبالله التوفيق.

.مسألة من أين يستحب للداخل مكة أَن يدخلها وأن يخرج منها:

قال مالك: بلغني أَن ابن عمر، دخل مكة من عقبة كَدَاء وخرج من كُدى.
قال محمد بن رشد: كَداء هي الثنية التي بأَعلى مكة بشرقها وكُدى هي الثنية التي بأَسفلها بغربيها وذلك مما يستحب للحاج أَن يفعله لأن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعله دخل مكة يوم الفتح، وفي حجته وفي عُمَره الثلاث من العقبة كداء، وهي الثنية التي بأعلى مكة. وخرج من الثنية السفلَى التي يُقال لها عقبة كُدى. وقال: «خُذُوا عَنَي مَنَاسِكَكُم». وبالله التوفيق.

.مسألة ضحَّى بالليل:

فيمن ضحَّى بالليل وسُئل مالك عن رجل قدم على أَهله من الليل بعد يوم النحر، فوجد عندهم ضحية قد أَعدوها، فضحى بها بالليل، قال أَرى أن يعود بضحية أُخرى. وقال في الحديث الأضحى يَوْمَانِ بَعْدَ يَوْم الأضْحَى وَلَيْسَ يُضحَّى بِلَيْل. قال: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ} [الحج: 28]. ولم يذكر الليل، فأَرى عليه الِإعادة وإن الذي يفتِي أن يضحي بالليل، قد جارَ جوْراً بعيداً.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في المدونة وغيرها من أن من ضحى بالليل أَعاد وروي أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «مَنْ ضحَّى لَيْلاً أعَادَ وَمَنْ ضحَّى قَبْلَ الِإمَام أعَادَ». وكذلك الهدايا، لا تنحر ولا تذبح بالليل، ومن فعل ذلك لم يجزه، لا اختلاف في هذا إلَّا ما قاله أَشهب في الهدي إن نحره في الليل إذا لم يكن في ليلة النحر أَجزأه والله أعلم.

.مسألة تحديد يوم الحج الأكبر:

في يوم الحج الأكبر وسُئل عن يوم الحج الأكبر، فقال: هو يوم النحر.
قال محمد بن رشد: اختلف أَهل العلم في قوله عزّ َوجلّ: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ} [التوبة: 3] هل الأكبر نعت لليوم، أو للحج؟ واختلف الذين قالوا: إنَه نعت للحج، فمنهم من قال: إنَّما قيل له الأكبر لأن ثمَّ حجاً أصغر، وهو العمرة، ومنهم من قال: إنما قيل له الأكبر، لأنه عنى به حج أَبي بكر، إذ وقع في ذي القعدة، على ما كان عليه أهل الجاهلية من النسيء، وقد كان الحج في العام الذي قبله في ذي القعدة أيضاً فسماه الله الأكبر، لأن الأكبر من الحجتين الواقعتين في ذي القعدة.
وقيل: إن حجة أبي بكر وقعت في ذي الحجة، فسمَّاها الله الأكبر، لاستدارة الزمن إليه وثبوت الحج فيه إلى يوم القيامة واختلف الذين قالوا: إن الله نعت اليوم أيضاً، فمنهم من قال: إنَّه يوم عرفة، لقول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الحج عَرَفَة». ولأن من فاته الوقوف بعرفة، فقد فاتّه الحج. ومنهم من قال: إنَّه يوم النحر، وإلى هذا ذهب مالك، وهو أَظهر الأقوال، لأن المراد به المجتمع الأكبر، ولأن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث أبا بكر أميراً على الحج سنة تسع، والنسيء قائم، والمشركون يحجون مع المسلمين، وكان قريش ومن ولدته قريش، يقفون بالمشعر الحرام يوم عرفة، ويقف سائر الناس بعرفة، ثم يجتمعون كلهم يوم النحر بمنى، فأَمر الله تعالى نبيّه عليه السلام أن يؤذن الناس ببراءة الله ورسوله من المشركين يوم الحج الأكبر أي يوم اجتماعهم الأكبر وهو يوم النحر، ليسمع جميع الناس النداء، فيبلغ شاهدهم غائبهم، فكان مما أوذنوا به ألَّا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، وتليت عليهم سورة براءة إنذاراً لهم، وإعذاراً إليهم.
وقد مضى هذا كله في رسم مساجد القبائل من سماع ابن القاسم من كتاب الحج لتكرر المسألة هناك وبالله التوفيق.

.مسألة الرقى بالحديد والملح وعقد الخيط:

في الرقى بالحديد والملح وعقد الخيط قال: وسُئل مالك عن الرقى بالحديد والملح وعقد الخيط، فكره ذلك كله، وكان العقد عنده في ذلك أَعظم كراهية فقيل له: فالشيء ينجم، ويجعل عليه حديدة، قال: أما التنجيم فأَرجو أَن يكون خفيفاً، إنَّه ليقع في قلبي إنَّما التنجيم لطول الليل.
قال الإمام القاضي: كراهة مالك للرقى بالحديد والملح، وعقد الخيط بينه، لأن الاستشفاء لا يكون بما سوى كلام الله تعالى وأسمائه الحسنى، وما يعرف من ذكره جلَّ جلاله، وتقدست أسماؤه، ورأى العقد في الخيط، أشد في الكراهة، لأن العقد في الخيط من ناحية السحر الذي أمر الله تعالى بالاستعاذة منه بقوله: {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} [الفلق: 4] واستحبَّ التنجيم إذ ليس فيه أكثر من التبرك بالنجوم، لما جعل الله فيها من المنفعة لعباده باهتدائهم بها في ظلمات البر والبحر.
وقد مضى في رسم الصلاة الأول من سماع أَشهب من كتاب الصلاة زيادات في هذا المعنى، لها بيان. وبالله التوفيق.

.مسألة ما جاء عن معاذ بن جبل من عدله بين نسائِه:

فيما جاء عن معاذ بن جبل من عدله بين نسائِه قال مالك: حدَّثني يحيى بن سعيد أَن معاذ بن جبل كانت له امرأتان وأنهما هلكتا في طاعون جميعاً فأَسهم بينهما أَيَّهما تدفن قبل.
قال محمد بن رشد: هذا لا يلزم، لأن العدل بينهما إنّما يجب لهما عليه في حياتهما، بدليل قوله عزَّ وجلّ: {فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} [النساء: 129] فإنَّما فعل ذلك تحريَاَ للعدل بينهما على وجه الاستحباب، وقد كان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إذا كان يَوم إحداهما لم يشرب من بيت الأخرى الماء. ذكر ذلك مالك عنه في رسم الطلاق من سماع أَشهب، من كتاب النكاح، وإنما كان يفعل ذلك تحرياً للعدل والمساواة بينهما، من غير أن يكون ذلك واجباً عليه. لا بأس على الرجل أَن يتوضأ من ماء المرأة من زوجاته، ويشرب من بيتها الماء، ويأكل من طعامها الذي ترسل إِليه في يوم غيرها، من غير أَن يتعمد بذلك ميلاً، وأن يَقف ببابها، فيتفقد من شأنها وحالها، ويسلم من غير أن يدخل عليها أَو يجلس عندها.
وقد ذكرنا في رسم الطلاق المذكور من سماع أشهب من كتاب النكاح الحجة في جواز ذلك، من السنَة وبالله التوفيق.

.مسألة صبغ الشعر:

في صبغ الشعر وسُئل مالك عن الصبغ بالحنّا والكتم. قال ذلك واسع.
وأَما السواد فما سمعت فيه شيئاً. وغيره من الصباغ أَعجب إليّ منه.
قال محمد بن رشد: أما صبغ الشعر وتغيير الشيب بالحنا والكتم، والصفرة، فلا اختلاف بين أَهل العلم في أن ذلك جائز، وإنَّما اختلفوا هل الصبغ بذلك أحسن، أو ترك الصبغ جملة أحسن؟، بدليل هذه الرواية أن ترك الصبغ أحسن، لأنه لما وسع في الصبغ دلَّ على أن تركه عنده أحسن. ودليل ما في الموطأ أن الصبغ بذلك أحسن، لأنه قال فيه: إن ترك الصبغ كله واسع إن شاء الله، ليس على أحد فيه ضيق. ودليل هذا ما روي أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إِنَّ الْيَهُودَ وَالنِّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُم» وما ذكره في موطئه عن أبي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ قَالَ: إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ. قَالَ: وكَانَ جَليساً لَهُم، وَكَانَ أَبْيَضَ اللِّحْيَة والرأس قَالَ: فَغَدا عَلَيْهِم ذَاتَ يَوْمٍ، وَقَدْ حَمَّرَهَا فَقَالَ لَهُ الْقَوْمُ: هذَا أَحْسَنُ فَقَالَ: إِنَّ أُمِّي عَائِشَة زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَتْ إِلَيَّ الْبَارِحَةَ جَارَتَهَا نُخَيلَةَ فَأَقْسَمَتْ عَلًيّ لأصْبُغَنَّ، وَأَخْبَرَتْنِي أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ كَانَ يَصْبُغُ. وفي هذا الحديث بيان أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يصبُغ قاله مالك، إذ لو صبغ لأرسلت بذلك عائشة إلى عبد الرَّحمن.
وقد «سُئل أنس بن مالك عن الخضاب فقال: خضب أبو بكر بالحنا والكتم، وخضب عمر بالحنا قيل له: فرسول الله، قال: لم يكن في لحيته عشرون شعرة بيضاء» وسُئل سعيد بن المسيب، أَخضب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: لم يبلغ ذلك. وروي «عن أَبي الدرداء أَنَّه قال: ما كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ يخضب، ولكنه قد كان فيه شعرات بيض، فكان يغسلها بالحنا والسدر» وما في كتاب الحج من الموطأ من قول عبد الله بن عمر وأَما الصفرة فإني رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصبغ بها، فأَنا أحب أَن يصبغ بها. قيل: في الثياب، وقيل معناهُ في الخضاب. وكان مالك لا يخضب، وروي أن بعض ولاة المدينة قال له: ألا تخضب يا أبا عبد الله، فقالَ له: لم يبق عليك من العدل إلَّا أن أخضب. وكان الشافعي قد عجل به الشيب فكان يخضب. وأما الخضاب بالسواد، فكرهه جماعة من العلماء، لما رُوي من أَنَه «جِيءَ بأَبِي قُحافة إِلَى النَّبِيَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَوْمَ الْفَتْح. وكَأَنَ رَأسَهُ ثَغَامَة فقال: اذهْبُوا بِهِ إِلَى بَعْض نِسَائِهِ، فَغَيِّرُوهُ، وَجَنِّبُوهُ السوَادَ». وقد سُئل سعيد بن جبير عن الخضاب بالوسمة فقال: يكسو الله العبد في وجهه النور، ثم يُطفِئه بالسواد، وقد خضب بالسواد جماعة، منهم الحَسن، والحسين، ومحمد، بنو علي بن أَبي طالب، ونافع بن جُبير، وموسى بن طلحة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعقبة بن عامر، وكان عقبة ينشد في ذلك:
تخَضَّبُ أَعْلاها وَتَأبَى أُصولها ** وَلَا خَيْرَ فِي الأعْلَى إِذَا فَسَدَ الأصْلُ

وكان هُشيم يخضب بالسواد، فأَتاه رجل فسأله عن قول الله عزَّ وجلّ: {وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ} [فاطر: 37] فقال له: إِنه الشيب. فقال له السائل: فما تقول فيمن جاء النذير من ربه فسود وجهه، فترك الخضاب. وبالله التوفيق.

.مسألة في غضب سعيد بن المسيب على ابن شهاب:

قال بلغني أَن سعيد بن المسيب غضب على ابن شهاب، وقال: ما حكمك علي أن حدثت عني بحديثي ابن مروان؟ فما زال حتى ترضاه. فقلت له: أهو حديث أُمهات الأولاد؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: حديث أمهات الأولاد الذي عاتبه على أن حدَّث به، عنه عبد الملك بن مروان هو ما كان حدث به بأنَّ عمر بن الخطاب قضى بأن أُمهات الأولاد، متعة لساداتهنً ما عاشوا، ثم هنَّ بعد موتهم أحرارٌ من رءوس أموالهم، بعد مشورة من حضره من بقية العشرة والمهاجرين والأنصار، فيحتمل أن يكون مذهبه في أُمهات الأولاد خلاف ذلك، ولذلك عاتبه على أَن حدَثه بحديثه، لأنه قضى بما حدَّثه به، ورآهُ حجة، لانعقاد الِإجماع عنده على ذلك من الصحابة، ولم ير ذلك هو حجة إذ قد رَجع علي بن أبي طالب حين أفضت إليه الخلافة عن ذلك، فبطل الإِجماع على مذهب من يرى أَن الإِجماع لا ينعقد إلًا بعد انقراض العصر، وإذا بطل الإِجماع وسع الخلاف، فرأَى سعيد حكم ابن مروان بما حكم به خطأ أَوجبه عليه ما حدث به عنه، فلذلك عاتبه على ذلك، وغضب عليه من أجله. وهذا على أن الحق في واحد، ولو كان عنده كل مجتهد مصيب، لما عاتب ابن شهاب على أَن حدثه بحديثه. وبالله التوفيق.

.مسألة وضع الحكمة عند من لا يعقلها:

في كراهية وضع الحكمة عند من لا يعقلها قال وحدَّثني مالك أَنَّه بلغه أَن لقمان قال لابنه: لا تضع الحكمة عند من لم يعقلها، ولا يعيها ولا يعمل بها، فإن مثل ذلك كمثل الذي يتغنى عند رأس الميت. فقيل له ما تفسيره؟
قال: الذي يتغنى عند رأس الميت من السفه، وإن الذي يضع الحكمة عند غير أَهلها هو الأمر الذي لا ينبغي.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين، لا يحتاج إلى بيان والله الموفق.

.مسألة أغضبته امرأته فطلّقها البتة:

حكاية فيمن أغضبته امرأته فطلّقها البتة وحدَثني سحنون عن ابن القاسم عن مالك عن ربيعة أن رجَلَا كان من أَشراف الناس، وأَنَّه كان بينه وبين امرأته عتاب في جوف الليل، فلما أصبحت وخرج زوجها إلى الصبح، جمعت عليها ثيابها وخرجت، حتى أتت امرأة مروان بن الحكم، فذكرت ذلك لها، فلما دخل مروان من الصلاة ذكرت امرأته له شأنها، فقال لها: وأين هي؟ فقالت: هي في الحجاب، فأَرسل مروان إلى زوجها فوادعه في ذلك، فقال للرسول الساعة؟ ما له؟ قال: لا أدري إلَّا أنه أمرني أن أدعوك، فخرج حتى دخل عليه فذكر له شأنها فقال له الرجل: وما يدريك؟ أنه كان بيني وبينها أمر، قال: هي أخبرت بذلك، قال: فأين هي؟ قال: هي في الحجاب قال: فإنها طالقة البتة. قال مروان: ما هذا الذي دعوتك له، فقال: أَما إذا بلغت هذا فهي طالق البتة.
قال محمد بن رشد: هذه حكاية ليس فيها معنى يحتاج إلى شرحه وبيانه. والله الموفق.

.مسألة الركوع بعد صلاة الجمعة:

في الركوع بعد صلاة الجمعة قال: وحدثنا سحنون عن ابن القاسم، عن مالك عن نافع، عن ابن عمر «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يكن يصلي بعد الجمعة شيئاً حتى ينصرف».
قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام قبل هذا من هذا الرسم على هذه المسألة فلا معنى لِإعادته وباللَّه تعالى التوفيق.

.مسألة تعريف النجش:

في النجش قال مالك: قال نافع: عن ابن عمر: إِن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نَهَى عن النَّجْش».
قال محمد بن رشد: النجش هو أن يعطي الرجل العطاء في السلعة، لا يريد شراءها، ليغتر بذلك غيره. فإن فعل ذلك غيره ليس من قبل البائع، ولا كان له فيه سبب، لزم المشتري الشراء، وباع الناجش بالِإثم، وإن كان البائع هو دسَّ من زاد في السلعة، أو كان له فيه سبب، مثل عبده أو أجيره أو شريكه أو ما أشبه ذلك، فالمشتري بالخيار في السلعة، ما كانت قائمة، إن شاء التزمها بالثمن الذي كان اشتراها به، وإن شاء ردها، وإن فاتت في يده، ردت إلى القيمة، وإن كانت أقل من الثمن. قاله ابن حبيب في الواضحة.
وقد مضى هذا في هذا السماع من كتاب السلطان وباللَّه تعالى التوفيق.

.مسألة الحض على حياطة الدين:

في الحض على حياطة الدين وحدثني سحنون عن ابن القاسم عن مالك أن عطاء بن يسار كان يقول: دينَكم دينَكم فأما دُنياكم فلا أوصيكم بها أنتم عليها أحرص وأنتم بها مستوصون.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بيِّن لا يفتقر إلى كلام وباللَّه التوفيق.

.مسألة لباس الخز:

في لباس الخز، والشرب في القدح المضَبّب بالفضة وسئل مالك عن لباس الخز فقال: أما أنا لا يعجبني، ولا أحرمه. فقيل له: فالقدَح تكون فيه الحلقة من الفضة أو تضبيب في شفته؟ قال: ما يعجبني أن يشرب فيه وهذا ليس من عمل الناس ولا يعجبني ذلك.
قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام مستوفى على لباس الخز محصلاً غاية التحصيل في أول مسألة من سماع ابن القَاسم، فلا معنى لإِعادته. وأما الحلقة من الفضة، تكون في القدح والتضبيب في شفتهِ، فقياسه قياس العلم من الحرير في الثوب، كرهه مالك، وأجازه جماعة من السلف. وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه أجازه على قدر الأصبعين والثلاث والأربع. وقع ذلك في مختصر ما ليس في المختصر لابن شعبان، وسيأتي التكلم على هذا في سماع أصبغ وباللَّه تعالى التوفيق.

.مسألة النفخ في الطعام والشراب:

في النفخ في الطعام والشراب وسئل مالك عن النفخ في الطعام أتكرهه كما تكره النفخ في الشراب؟ قال: نعم هو مكروه.
قال محمد بن رشد: هذا بيِّن على ما قاله لأن المعنى الذي جاء من أجله النهي عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ عن النفخ في الشراب وهو مخافة أن يتطاير من ريقه فيه شيء، فيتقزز ذلك من سواه موجود في الطعام. وقد روي ذلك عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ نصاً، روِي عن عقيل «عن ابن شهاب قال: بَلَغَني أن رَسُولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهى عَنِ النفْخ فِي الطعَام وَالشرَابِ» وباللَّه تعالى التوفيق.

.مسألة رفع اليدين في الدعاء:

في رفع اليدين في الدعاء وسئل عن رفع اليدين في الدعاء فكره ذلك.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المُحرِم يتخذ الخرقة لفرجه من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة. وقد مضى في الرسم الذي قبل هذا الكلام على هذا مستوفى فلا معنى لِإعادته.

.مسألة لبس الخز:

في لبس الخز قال مالك: وذكر لبس الخز فقال: قوم يكرهون لباس الخز ويلبسون القلانس من الخز، تعجباً من اختلاف رأيهم. وإنما كره لباس الخز لأن سداه حرير.
قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على هذه المسألة أول رسم من سماع ابن القاسم حسبما ذكرناه فوق هذا فلا معنى لِإعادته.

.مسألة عدد مَن قتل من الأنصار يوم أحُد ويوم حسر أبي عبيد ويوم اليمامة:

ومن كتاب أوله كتب عليه ذكر حق في عدد مَن قتل من الأنصار يوم أحُد ويوم جسر أبي عبيد ويوم اليمامة:
قال مالك: حدثني يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: قتل من الأنصار في ثلاث معارك، سبعون يوم أحد، ويوم جسر أبي عبيد ويوم اليمامة.
قال محمد بن رشد: كانت الوقْعة بأحد يوم السبت للنصف من شوال سنة ثلاثٍ من الهجرة. وذلك أن رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج عشية يوم الجمعة لأربع عشرة ليلة خَلَتْ من شوال، وكانت الوقْعة يوم السبت بعده، وكانت اليمامة في سنة إحدى عشرة من الهجرة في خلافة أبي بكر الصديق. روي أن أبا بكر الصديق وجه خالد بن الوليد إلى اليمامة، وأمره أن يصمد لمسيلمة الكذاب، فلما دنا من اليمامة نزل وادياً من أوديتهم، فأصاب فيها مُجاعة بن مرارة، في عشرين رجلاً كانوا خرجوا في طلب رجل من بني نمير فقال لهم خالد: يا بني حنيفة، ما تقولون؟ قالوا: نقول: منَّا نبي ومنكم نبي. فعرضهم خالد على السيف، فقتلهم إلا مجاعة، فاستوثق منه بالحديد، ثم سار، فاقتتلوا، فكان أول قتيل من المشركين رحال بن عُنفوة، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانكشف المسلمون، ثم تداعوا، فقال ثابت بن قيس بن شماس: بِئسَ ما عودتم به أنفسكم يا معشر المسلمين، اللَّهم إني أبرا إليك مما يصنع هؤلاء، ثم قاتل حتى قتل.
وروي عن هشام بن عروة عن أبيه قال: جاء المسلمون حتى بلغوا الرِّحال، فقال ابن العوام: يا أيها الناس قد بلغتم الرحال، فليس لأحدٍ مفر عن رحله، فارجعُوا فرجعوا، فهزم اللَّه المشركين، وقتل مسيلمة. وكانت وقعة جسر أبي عبيدة في آخر شهر رمضان، وأول شوال، من سنة ثلاث عشرة، في صدر خلافة عمر بن الخطاب. وذلك أن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بعث أبا عبيد بن مسعود الثقفي إلى العراق، فلقي جابان بيْن الحرة والقادسية، ففض جمعه، وأسره، وقتل أصحابه. ففدى جابان نفسه، ثم أغار على تلك النواحي، وبعث البعوث في تلك الجهات فسبوْا ومثَّلُوا، فلما رجع المشركون منهزمين إلى مليكهم شتمهم وأقصاهم ودعا بهمان ذا الحاجب وعقد له على اثني عشر ألفاً وأعطاه سلاحاً كثيراً. وحمل معه من آلة الحرب أوقاراً ودفع إليه الفيل الأبيض، وبلغ أبا عبيد مسيرهم، فعبر الفرات، وقطع الجسر، وأقبل ذو الحاجب فنزل، وبينه وبين أبي عبيد الفرات، فأرسل إليه، إما أن تعبُر إلينا أو نعبُر إليك، فقال أبو عبيد: نعبُر إليكم، فعقد له ابن صلوتا الجسر، وعبر، فالتقوا في مضيق، وقدم ذو الحاجب جاليوس معه الفيل الأبيض، فاقتتلوا قتالاً شديداً وضرب أبو عبيد مشفر الفيل، وضرب أبو محجن عرقوبه، وقُتل أبو عبيد رَحِمَهُ اللَّهُ. وقد كان قال: إن قُتلت فعليكم فلان، وإن قُتل فعليكم فلان، وإن قُتل فعليكم فلان. فقُتل جميع الأمراء، وأخذ المثنى بن حارثة الراية، واستحرَّ القتل في المسلمين، فمضوا نحو الجسر، حتى انتهوا إليه، وقد سبقهم إليه عبد اللَّه بن يزيد الخَطي، ويقال: عبد بن يزيد الثقفي، فقطع الجسر، وقال: قاتلوا عن دينكم، فاقتحم الناس الفرات فغرق ناس كثير، ثم عقد المثنى الجسر، وعبر المسلمون، واستشهد يومئذ من المسلمين ألف وثمانمائة، وقيل: أربعة آلاف بين قتيل وغريق، وانحاز بالناس المثنى بن حارثة الشيباني. وباللَّه التوفيق.

.مسألة ما وعد به عمر رضي اللَّه عنه من المساواة بين الناس في العطاء:

في ما وعد به عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ من المساواة بين الناس في العطاء قال: وحدثني مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه: أن عمر بن الخطاب قال: لَئِن بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ، لألْحِقَنَّ أسْفَلَ النَّاس بِأعلَاهُمْ.
قال الإمام القاضي: كان أبو بكر الصديق يساوي بين الناس في قسم مال اللَّه عليهم، ولا يفضل أحداً في العطاء بسابقةٍ ولا قِدَم، فكلمه عمر بن الخطاب في ذلك، فقال: تلك فضائل عملوها لله، وثوابهم فيها على اللَّه. وهذا المعاش الناس فيه أسوة، وإنما الدنيا بلاغ. وقسم عمر بن الخطاب بعد أبي بكر، ففاضل بين الناس، وفرض لهم الديوان على سوابقهم في الِإسلام وفضلهم على أنفسهم، وكان يقول: الرجل وبلاؤه، والرجل وسابقته. وظاهر قول عمر هذا: لئن بقيت إلى قابل، لألحقن أسفل الناس بأعلاهم، إنه رجوع منه عن مذهبه الذي كان يسير به من تفضيل أهل السوابق والفضل في العطاء على من لا سابقة له في العطاء، ولا فضل معلوم، إلى مذهب أبي بكر في المساواة بينهم. وذهب ابن حبيب إلى أن معنى قوله عنده التسوية على جميع الناس من المال، حتى يصير نصيب أدنى المسلمين لكثرة ما أفاء اللَّه به عليهم، مثل ما يصيب أعلاهم منه، يوم قال هذا القول، ولم يرد أن يرد الأعلى إلى الأسفل، وإنما تأول قوله على هذا، لأنه اختار مذهبه على مذهب أبي بكر وأخذ عثمان بِفعْل عمر، وأخذ علي بالعراق بفعل أبي بكر، ساوى ولم يفضل، ثم وليَ عمرُ بن عبد العزيز، فأخذ في ذلك باْلأمْرَينِ جميعاً، وذلك أنه فرض العطاء، ففاضل فيه بين الناس على قدر شرفهم، ومنازلهم في الإِسلام، وقسم قسمين على العامة على غير ديوان العطاء، فساوى بين الناس في ذلك، واختار مالك فعل أبي بكر الصديق. فقال: يبدأ بالفقراء ثم يساوي بين من بقي، إلا أن يشاء الإِمام أن يحبسه لنوائب الِإسلام. ومعنى قوله: يساوي بينَ من بقي، أن يعطي الصغير قدر ما يغنيه، والكبير قدر ما يغنيه، والمرأة قدر ما يغنيها، فإن فضل شيء ورأى الِإمام أن يحبسه لنوائب الإِسلام حبسه وإن رأى أن يرده عليهم رده. وقال: قد يُجيز الإمام الرجل بالجائزة، لوجه يراه قد استحق به الجائزة. وباللَّه التوفيق.

.مسألة إقادة الإِمام من نفسه:

في إقادة الإِمام من نفسه قال: وبلغني أن عمر بن الخطاب ضرب رجلًا بالدِّرَة، ثم قال عمر للرجل: اسْتَغْفِرْ لِي، فقال الرجل: أنت استغفر لي، فأنا ظالم، ثم قال عمر: أولا عِلْمَ لَكَ بِنَزَوَاتِ الْإِمَارَةِ أوِ الْمُلْكِ؟ قال مالك: حدثني عاصم بن عبيد اللَّه بن عاصم، أنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، نَزَلَ يَوْماً بِطَرِيقِ مَكَّةَ تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَلَمَّا اشْتَدَّت الشَّمْسُ، خَرَجَ مِنْ تَحْتِهَا، فَطَرَحَ عَلَيْهِ ثَوْبا يَسْتَظلَّ بهِ، فَنَادَاهُ رَجُلٌ: يَا أمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَلْ لَكَ في رَجُلٍ قَدْ رَثَدْتَ حَاجَتَه، وَطَالَ انْتِظَاره؟ فَقَالَ عُمَرُ: مَنْ رَثَدَهَا؟ فَقَالَ: أنْت فما زال القول والمراجعة حتى ضربه بالمحقنة، فأخذ الرجلِ بثوب عمر، وقال: عجلت علي قبل أن تنظر، فإن كنت مظلوماَ رددتني إلى الحق، فقال عمر: صدقت، ثم أخذ عمر بثوب الرجل ثم أعطاه الدِّرة، فقال له: اسْتَقِدْ مِنِّي. فقال الرجل: ما أنا بفاعل، فقال له عمر: واللَّه لتفعلنَّ أو لتفعلن ما يفعل المنصف من حقه. قال الرجل: فإني أعفو قال: فالتفت عمر إلى الرجل من أصحابه، فقال: أنصفت من نفسي قبل أن ينتصف مني. وأنا كاره فلو كنت بالأراك لسمعت خنين ابن الخطاب.
قال محمد بن رشد: هذا من عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نهاية في الخوف والورع للَّه تعالى، إذ لم يضربه متعدياً عليه فيكون القود منه واجباً، وإنما ضربه بالاجتهاد الذي رأى به أن الضرب يجب عليه فإن كان أصاب في اجتهاده، فله أجران، وإن كان أخطأ فله أجر والضرب مع الخطأ في الاجتهاد خطأ والخطأ لا قصاص فيه، إِلَّا أنه خشي أن يكون قد قصر فيما يلزمه، فيكون مسئولاً عن ذلك، فتورع بما فعل لئلا يبقى عليه سؤال ولا تبعة يوم القيامة، والخنين بالخاء المعجمةَ يريد البكاء وقيل الخنين الغنة التي تصير في صوت الباكي، من تردد البكَاء يقال فيه خَنً يَخِنُّ خَنِيناً. وقيل: الخَنين الضحك إذا خرج جافياً والخُنَة ضرب من الغُنَة يقال امرأة خناء وغناء. وباللَّه تعالى التوفيق.